اثار عالم دين سعودي الجدل مرة أخرى عبر فتوى تختص بجواز إرضاع الكبير، مؤيدا في الوقت نفسه أقوالا منفردة لمشايخ محسوبين على الأزهر، ووجهت بانتقادات لاذعة من قبل العديد من العلماء.
وقال الشيخ عبد المحسن العبيكان، المستشار القضائي بوزارة العدل وعضو مجلس الشورى السعودي، في فتواه التي نشرتها امس صحيفة 'المصدر' الإلكترونية بما نصه 'إذا احتاج أهل بيت' ما 'إلى رجل أجنبي يدخل عليهم بشكل متكرر وهو أيضا ليس له سوى أهل ذلك البيت ودخوله فيه صعوبة عليهم ويسبب لهم إحراجا وبالأخص إذا كان في ذلك البيت نساء أو زوجة فإن للزوجة حق إرضاعه'.
واستشهد عالم الدين السعودي بحديث سالم مولى حذيفة وأقوال أخرى استشهد بها عن أم المؤمنين عائشة زوج النبي محمد، وأقوال نسبها الى شيخ الإسلام ابن تيمية قال بأنها مذكورة في العديد من المؤلفات الخاصة به. واختتم العبيكان فتواه بأن الإرضاع في تلك الحالة لا يختص بزمن معين وإنما هو للعامة في جميع الأزمان.
يشار إلى ان العبيكان طالب في العديد من المناسبات بعدم السماح لطلاب العلم بإثارة الفتاوى التي من شأنها أن تبث الجدل بين المسلمين إضافة إلى انه طالب بتشكيل لجنة عليا تختص بهذا الشأن.
الخبر لا علاقة له بمواضيع الدكتور كامل النجار ولكنى أوردته بمناسبة المقال السابق الخاص بالعبيكان لفضح هؤلاء الأنجاس

الشيخ عبد المحسن العبيكان من رجالات الدين السعوديين الذين يُحسبون على التيار الإصلاحي وقد تعارك مع المتشددين من أمثال مفتي السعودية الشيخ آل الشيخ. ولكن الشيخ العبيكان كان، وحتى السنوات القليلة الماضية، من الذين يحرضون على الخروج على السلطة السياسية التي سمحت بإقامة القواعد الأمريكية في البلاد، وعلى حث الشباب على الجهاد في العراق وأفغانستان. وكان الشيخ العبيكان يفعل ذلك، لا بد، عن قناعة دينية لا تقبل الزعزعة، بأن السلطة السياسية في المملكة قد خرجت عن أصول الدين وأن الدين الإسلامي يُحث على الجهاد. ولكن فجأةً، وربما لتفادي عواقب غضب السلطة عليه غيّر الشيخ العبيكان موقفه من السلطة وتبرأ من كل فتاواه السابقة عندما ظهر على شاشات التلفزيون السعودي وقال: (إنني قد اخطأت في السابق حينما جعلت مسجدي نقطة للنشاط الديني المعارض ضد الحكومة السعودية، لكنني تراجعت، فلماذا لا يتراجع ويعترف من أخطأ مثلي من الدعاة) (الشرق الأوسط 15 مايو 2005). فالشيخ العبيكان، المستشار القضائي بوزارة العدل السعودية، والقاضي السابق، والمفتي، قد قضى كل سنوات عمره الماضية وهو يدعو إلى الخطأ، وهذا يؤكد لنا أن رجالات الدين المسلمين سواء الوهابيون منهم أو الأزهريون، يُخطئون كما نخطئ نحن عامة البشر غير الملتحين. وقد أخطأ الشيخ العبيكان مرة أخرى عندما رد على مقال للدكتور الأزهري الشيخ نهرو طنطاوي عن وجوب الاعتماد على القرآن فقط وتجاهل السنة في التشريع الإسلامي، وكان مقال الشيخ العبيكان والمنشور في "شفاف الشرق الأوسط" تحت عنوان " المسلم مأمور في القرآن باتباع السنة". وسوف أحاول هنا أن أبيّن للشيخ أنه أخطأ للمرة الثانية، فالمسلم غير مأمور باتباع السنة.
يقول الشيخ العبيكان: (فقد قرأت الحوار الذي اجرته «الشرق الأوسط» مع د. نهرو طنطاوي والذي نشر في العدد (10012) يوم الخميس الموافق 27/4/2006 وقد استغربت كثيرا من جرأة الدكتور على إنكار السنة المطهرة، وزعمه ان المصدر الوحيد للتشريع الاسلامي هو القرآن فقط، وهذا القول ليس بجديد بل هو من جنس قول الخوارج الذين قالوا «حسبنا كتاب ربنا» وأنكروا سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولعظم خطرهم على الاسلام والمسلمين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلهم، كما في الأحاديث الصحيحة) انتهى. والشيخ هنا رغم توبته واعترافه بالخطأ عندما كان يُحرض على العصيان ويحكم بتكفير الغير، يُحرض على قتل الشيخ نهرو طنطاوي بتشبيهه له بالخوارج. وأخطأ كذلك عندما زعم " أن النبي أمر بقتل الخوارج الذين قالوا (حسبنا كتاب ربنا)، كما في الأحاديث الصحيحة". وهو هنا يستشهد بأحاديث من السنة التي اعترض عليها الشيخ نهرو ودعا إلى تجاهلها، فأصبح كالذي يقول "داوني بالتي هي الداء". ثم أن الأحاديث التي زعم الشيخ العبيكان أنها أحاديث صحيحة لا يمكن أن تكون أحاديث صحيحة لعدة أسباب منها أن الخوارج لم يكونوا قد ظهروا في حياة النبي حتى يقول عنهم النبي هذه الأحاديث التي لا بد أنهم قد وُضعوها بعد موته، فهم قد ظهروا إلى حيز الوجود بعد وفاة النبي وفي أيام الخلاف بين معاوية وعلي بن أبي طالب. ولم يكن هناك في أيام النبي من يستطيع أن يُجهر بقول كقول الخوارج لأن المحيطين بالنبي كانوا يقتلون كل من تجرأ بكلمة يعتبرونها مسيئة للنبي أو للإسلام أو خارجة عن فهمهم للإسلام.
ويقول الشيخ العبيكان كذلك: (ومن زعم انه يكتفي بالقرآن وينكر السنة فهو منكر للقرآن لأننا مأمورون في القرآن باتباع السنة ولا يصح إيمان من آمن بالقرآن حتى يؤمن بالسنة التي هي مفسرة للقرآن وموضحة له اضافة الى كونها مصدرا مستقلا، كما سيأتي بيانه) انتهى. ونقول للشيخ العبيكان ليس في القرآن ما يأمر الناس باتباع السنة، فالقرآن يقول: (والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون. أولئك على هدىً من ربهم وأولئك هم المفلحون) (البقرة، 4 و 5). وما أنزل على النبي هو القرآن فقط وليس السنة. والذين يؤمنون بالقرآن هم المفلحون. وتأكيداً لهذا القول يقول القرآن للنبي محمد: (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا) (النساء 163). وكل هؤلاء الأنبياء لم يكن عندهم أحاديث وسنة، والذي أوحيً إليهم لم يكن مختلفاً عن الذي أوحيً إلى محمد كما يقول القرآن. وإذا كانت السنة تفسر القرآن ولذلك يجب علينا الإيمان بها، فكذلك يجب علينا الإيمان بتفسير الزمخشري وتفسير ابن كثير وغيرهم للقرآن أو أن نلقي بكل كتب التفسير في الزبالة لأن السنة قد فسرت القرآن، الذي هو أصلاً قرآنٌ عربي مبين لا يحتاج تفسيراً.
وقال شيخ العبيكان: ((أما بالنسبة الى السنة فقد جاء الأمر في القرآن بالرجوع اليها في اكثر من اربعين موضوعا كما قال تعالى (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا) (النساء: 69). وقال (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فان تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا) (النساء: 59) وقال (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا) (الأحزاب: 21)) انتهى.
وواضح هنا أن القرآن كان يخاطب الذين عاصروا النبي ويحثهم على طاعته والامتثال إلى ما يأمرهم به النبي من غزوات وغيره. وليس من المعقول أن يأمر القرآن الناس بطاعة رجل بعد أن يموت ويزول من هذه الحياة الدنيا. ثم أن الآية الثانية تقول أطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم، فهل نفهم من هذا أن الله يأمر الشيخ العبيكان بطاعة الملك عبد العزيز الذي كان ولي الأمر في السعودية قبل أن يموت؟ فالإنسان الذي يموت لا طاعة له في الأحياء، والنبي كان بشراً مثلنا كما ردد القرآن في أكثر من آية. والآية تقول كذلك إذا تنازعتم في شيء فردوه إلى الرسول فكيف نرد نزاعنا اليوم في مشكلة إيران والتسلح النووي مثلاً إلى النبي؟ فالنبي ليس بين أيدينا لنرد المشكلة إليه والأحاديث المنسوبة إليه لا تقول شيئاً عن التسلح النووي. وإذا كان القرآن، قبل السنة، يأمر بطاعة أولي الأمر، وأباح الشيخ العبيكان لنفسه أن يتجاهل أمر القرآن بطاعتهم ويحث من في مسجده على الخروج عليهم، ألا يحق للمسلمين تجاهل السنة المزعومة التي لا يمكن بحال من الأحوال إثبات أنها ترجع إلى النبي؟
ويستمر شيخ العبيكان فيقول: (وقال (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب) (الحشر: 7) وقال (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم) (آل عمران: 31) فأمر الله لنا بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وجعله سنته حكما لفض النزاعات بل وترتيب الأجر العظيم على طاعته يستلزم حفظ الله لهذه السنة النبوية حتى يتهيأ للعباد الرجوع اليها عند النزاع كما أمر الله، والطاعة لأمر الله الذي أمر بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم) انتهى. الآيتان المذكورتان هنا واضحتان وضوح الشمس، وهما يتحدثان عن ما أتاكم الرسول من الأوامر والنواهي القرآنية التي أرسله الله بها، ولا نعلم كيف استنتج الشيخ الغبيكان من الآيتين أن الله قصد أن يحفظ لنا سنة النبي لنرجع إليها؟ فالشيخ العبيكان هنا كالذي يحاول أن يستخرج دماً من الحجر، إن لم يكن من الذين يحرفون الكلم عن مواضعه. فالقرآن يأمر الرسول أن يقول (ما أنا إلا بشر مثلكم يوحي إليّ) والوحي هو القرآن، وعندما يقول القرآن (ما أتاكم الرسول فخذوه) يقصد ما أتاكم به أو أمركم به من القرآن، وليس السنة.
وفي محاولته إثبات أن السنة مصدرٌ من مصادر التشريع يقول الشيخ العبيكان: (ولو بقينا على حجية القرآن وحده دون السنة لما عرفنا كثيرا من الأحكام الشرعية، فمن اين لنا عدد الصلوات الخمس المفروضة وعدد ركعاتها، بل وصفة الصلاة نفسها، وكيف نعرف صفة الحج والعمرة؟ وهكذا) انتهى. والمقبول عقلياً أنك إذا أرسلت رسولاً إلى قومٍ لم يكن قد جاءهم رسول قبل ذلك بنفس الرسالة، فلديك أحد خيارين: إما أن تأمر الرسول أن يبين لهم بالطرق العملية التي تريدها أنت، كيف يؤدون المطلوب منهم، وإما أن تترك الخيار للرسول ليختار لهم كيف يؤدون ما تطلبه منهم. فهل عدد الصلوات وعدد ركعاتها والأذان وطريقة أداء الحج سنة أم فرض من الله ؟ فلو كانت كل هذه الأشياء فرضاً من الله، فإن الله لا يغير رأيه بل يقرر مسبقاً ما يريد ثم يفرضه على عباده. فهل حدث هذا في حال الصلاة والصوم والحج؟ لم يحدث هذا إطلاقاً وإنما تدرج فيه النبي على مدى سنوات وقد تعلّم بعضه من اليهود وبعضه من النصارى. فلو أخذنا الصلاة أولاً، نجد أنها ركن من أركان الإسلام الخمسة ولا يتم الإسلام بدونها، ولكن مع ذلك لم يبدأ النبي بالصلاة إلا في العام العاشر بمكة ( وفرضت الصلاة بمكة ليلة الإسراء بعد النبوة بعشر سنين وثلاثة أشهر ) (شذرات الذهب للدمشقي، ج1، ص 14). وعندما ابتدأت كانت صلاتين فقط وفي كل صلاة ركعتان (ذكر المزني أن الصلاة قبل الإسراء كانت صلاة قبل غروب الشمس وصلاة قبل طلوعها، ويشهد لهذا القول قول سبحانه : { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} [غافر:55] وقال يحيى بن سلام مثله. وقد ذكر البخارى من رواية مَعمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت : " فرضت الصلاة ركعتين ركعتين ، ثم هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ففرضت أربعاً) (السيرة النبوة لابن هشام، ج2، ص 109). ويقول ابن الجوزي: (وفي هذه السنة: (السنة الأولى من الهجرة) زيد في صلاة الحضر - وكانت صلاة الحضر والسفر ركعتين - وذلك بعد مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشهر في ربيع الآخر لمضي اثنتي عشرة ليلة.) (المنتظم في التاريخ، ج3، ص 15). ونجد أن بعض الصلوات مثل صلاة الضحي لم يكن عدد ركعاتها معروفاً فكان النبي يصليها ركعتين وأربعة وستة وثمانية ركعات (حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا أسد بن عاصم، حدثنا الحصين بن حفص، عن سُفيان، عن عمر بن ذر، عن مجاهد، أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، صلَّى الضحى ركعتين، وأربعاً، وستاً وثمانياً ) (زاد المعاد لابن قيم الجوزية، ج1، ص 153). وهل كانت صلاة الصبح سراً أم جهراً؟ (في صفة القراءة المستحبة فيهما، ذهب مالك والشافعي وأكثر العلماء إلى أن المستحب فيهما هو الإسرار، وذهب قوم إلى أن المستحب فيهما هو الجهر، وخير قوم في ذلك بين الإسرار والجهر. والسبب في ذلك تعارض مفهوم الآثار، وذلك أن حديث عائشة المتقدم المفهوم من ظاهره "أنه عليه الصلاة والسلام كان يقرأ فيهما سرا" ولولا ذلك لم تشك عائشة هل قرأ فيهما بأم القرآن أم لا؟ وظاهر ما روى أبو هريرة أنه كان يقرأ فيهما بـ {قل يا أيها الكافرون} و {قل هو الله أحد} أن قراءته عليه الصلاة والسلام فيهما جهرا" ولولا ذلك ما علم أبو هريرة ما كان يقرأ فيهما، فمن ذهب مذهب الترجيح بين هذين الأثرين قال: إما باختيار الجهر إن رحج حديث أبي هريرة، وإما باختيار الإسرار إن رجح حديث عائشة، ومن ذهب مذهب الجمع قال بالتخيير) (بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد القرطبي، ج1، ص 148).
ومع كل هذا الاختلاف في كيفية الصلاة نسأل أنفسنا: هل أمر الله النبي أن يشرح للمسلمين الصلاة بكل هذا التذبذب وعدم التركيز على وتيرة واحدة، أم أن النبي فعل ذلك من تلقاء نفسه وبدون وحي من الله؟ فإذا كان الأول هو الجواب يكون الله غير قادر على اتخاذ القرار الصحيح ويضطر إلى تغيير رأيه عدة مرات، وإذا كان الثاني هو الجواب فإذاً السنة ما هي إلا محاولات من النبي لإيجاد أحسن حل وسط يكون مقبولاً للمسلمين. وبالتالي فهي ليست شيئاً موحي من الله إلى النبي ولا يجب على المسلمين استنباط الأحكام الشرعية منها، خاصةً إذا تعارضت السنة مع صريح القرآن كما في رجم الزانية والزاني التي نسخت السنة فيها القرآن.
ولم يكتف شيوخ الإسلام بالرجوع إلى ما قال أو فعل النبي بل تمسكوا بما قال الصحابة و التابعون، فقال شيخ العبيكان: (وساق بإسناده عن عبد الله بن مسعود إنه قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتفلجات للحسن المغيرات لخلق الله تعالى، فبلغ ذلك إمرأة من بني اسد يقال لها ام يعقوب كانت تقرأ القرآن فأتته، فقالت له: ما حديث بلغني عنك انك لعنت الواشمات والمتفلجات للحسن المغيرات لخلق الله تعالى؟ فقال عبد الله: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله تعالى. فقالت: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدت هذا. قال فقال عبد الله: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه ثم قال (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)) انتهى. ورد عبد الله بن مسعود على المرأة التي قرأت القرآن ليس رداً مقنعاً فهي كانت تتحدث عن الحديث المنسوب إلى الرسول، وعبد الله بن مسعود رد عليها بأن قال إن الله قال ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا. وقد غاب عن الشيخ العبيكان وعن عبد الله بن مسعود أن الناس هنا لا يجادلون في ما أتى به الرسول، وهو القرآن، إنما يجادلون في صحة ما زعم الفقهاء ورواة الحديث أن النبي قاله أو فعله. فلو صح بدون أدنى شك أن النبي قال حديثاً بعينه أو فعل فعلاً بعينه لقبلنا أن يقولوا ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا، ولكن هل من الممكن أن نجزم بصحة أي حديث وصلنا؟ الجواب هنا حتماً بالنفي. والشيوخ لا يهمهم أن متن الحديث يتعارض مع أحاديث أخري، فهم مثلاً يقولون بالحديث السابق (لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتفلجات للحسن المغيرات لخلق الله) فالرسول لعنهن لأنهن غيرّن خلق الله، لكنهم في نفس الوقت يقولون بحديث الختان الذي هو من أكثر الأشياء تغييراً لخلق الله. فالواشمة تريد أن تزيد إلى حسنها بينما الختان يُنقص ما أعطاه الله المرأة والرجل. فكيف يلعن الرسول الواشمة ويُحث على الختان؟
و الأحاديث والسنة التي يعتمد عليها الفقهاء تقول إن مسلم قال عن أبي هريرة إنه قال، قال رسول الله: "لما قضى الله الخلق كتب في كتاب على نفسه فهو موضوع عنده: إن رحمتي تغلب غضبي". فهذا الحديث يدل على أن الله نفسه يعرف أن الذاكرة لا يمكن الاعتماد عليها ولذا كتب ما قرره في كتاب عنده. والقرآن يقول "اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم الذي علّم بالقلم" فإذاً كتابة الشيء لا بد منها إن أردنا له الحفظ من الضياع. ولكن مع ذلك تخبرنا الأحاديث التي يعتمد أهل السنة عليها أن النبي منع أصحابه أن يكتبوا عنه غير القرآن، ففي حديث ابن سعيد عن النبي أنه قال: "لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه" خرّجه مسلم. وفي حديث له آخر يقول ابن سعيد: "حرصنا أن يأذن لنا النبي صلى الله عليه وسلم في الكتابة فأبى" . وروى أبو نصرة قال: قيل لأبي سعيد: أنكتب حديثكم هذا؟ قال: لِمَ تجعلونه قرآناً؟ ولكن احفظوا كما حفظنا. وقال خالد الحذاء: ما كتبت شيئاً قط إلا حديثاً واحداً، فلما حفظته محوته. وهناك من الفقهاء من امتنع عن كتابة الحديث منهم الشعبي ويونس بن عبيد وخالد الحذاء وابن عون والزهري (الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، سورة طه، الآية 51). ومنهم من كان يكتب فإذا حفظه محاه منهم محمد بن سيرين وعاصم بن حمزة وهشام بن حسان الذي قال: ما كتبت حديثاً قط إلا حديث الأعماق فلما حفظته محوته. وكان الفقيه محمد بن عبد الرحمن أبو ذئب الذي ولد عام 365 هجرية يحفظ حديثه ولم يكن له كتاب ولا شئ ينظر فيه ولا له حديث مثبت في شئ (تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، ج3، ص 103). فهذا رجل ولد بعد ثلاثمائة وخمسين عاماً بعد وفاة النبي وكان يؤمن أن الحديث لا يُكتب.
فإذا كانت الأحاديث والسنة وحياً يوحيه الله إلى النبي، لماذا منع النبي أصحابه من كتابة الأحاديث وهو كان يعلم أن الإنسان ينسى والله قال له في القرآن " سنقرئك فلا تنسى"؟ وقد سها مرةً وصلى خمسة ركعات. فهل من المعقول أن يفرط الله في الوحي الذي أوحاه إلى نبيه ويمنعه من كتابته؟ وإذا كانت أحاديث النبي وأفعاله وحياً فكيف أوحي الله إلى نبيه أن يقول لأهل المدينة أن لا يلقحوا نخلهم؟ فقد روى مسلم فى ((صحيحه)): عن طلحةَ بن عُبيد الله رضى الله عنه، قال: ((مررتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى نخلٍ، فرأى قوماً يُلَقِّحُونَ، فقال: ((ما يصنعُ هؤلاء)) ؟ قالوا: يأخُذون من الذكر فيجعلونه فى الأُنثى. قال:((ما أَظُنُّ ذلك يُغنى شيئاً))، فبلغهم، فتركوه، فلم يَصْلُحْ، فقال النبىُّ صلى الله عليه وسلم: ((إنما هُوَ ظََنٌ، فإن كان يُغنى شيئاً، فاصنَعوهُ، فإنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، وإنَّ الظَنَّ يُخطِئٌ ويُصيبُ، ولكنْ ما قلتُ لكم عنِ الله عَزَّ وجَلَّ، فلن أكذِبَ على الله) (الطب النبوي لابن القيم الجوزية، ص 401). وهذا الحديث يوضح أن أفعال وأقوال النبي ما هي إلا ظن وأقوال بشر مثلنا يخطئ ويصيب، وعليه هي ليست مصدراً للتشريع. والنبي في هذا الحديث يقول "ولكن ما قلت لكم عن الله عز وجل فلن أكذب على الله" ألا يوحي هذا القول بأن ما يقوله في أحاديثه ليس عن الله عز وجل؟.
ويقال إن أول من دون الحديث كان الزهري الذي توفي عام 124 هجرية عندما أمره الخليفة عمر بن عبد العزيز بذلك. وعمر بن عبد العزيز توفي عام 101 هجرية وحكم عامين فقط. فلا بد أنه أمر الزهري بكتابة الحديث حوالي عام مائة بعد الهجرة أي بعد حوالي تسعين عاماً بعد وفاة الرسول. والزهري لم يجمع إلا القليل من الأحاديث. ثم جاء البخاري (ولد عام 194 وتوفي عام 256 هجرية) وجمع الأحاديث في صحيحه فلا بد أنه جمعها بعد حوالي مائتين عاماً من وفاة النبي. ثم جاء أهل الحديث بعد ذلك وقسموا الأحاديث إلى متواتر سمعه أكثر من شخص من النبي ويتفق أهل الحديث جميعهم على أنه راجع إلى النبي، ثم حديث حسن ثم حديث ضعيف وما إلى ذلك. وقد اختلفوا في عدد الأحاديث المتواترة، فقال بعضهم انه ليس هناك أصلا حديث متواتر مقطوع بصدقه، وقال بعضهم انه يوجد حديث متواتر واحد وهو حديث (من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ). ورأى بعضهم أن الحديث المتواتر ثلاثة فقط، وارتفع بعضهم بالأحاديث المتواترة إلى خمسة وبعضهم إلى سبعة، وقال السيوطي إنها مائة حديث فقط. فإذاً كل الأحاديث الباقية هي أحاديث آحاد، أي ادعى شخص واحد أنه سمعها من النبي، ومثل هذه الأحاديث، وهي بمئات الآلاف، لا تُعتمد في التشريع
فهل هناك من سند للشيوخ ليقولوا لنا إن الذي يعتمد على القرآن فقط يكون من الخوارج، كما قال الشيخ العبيكان؟ والغريب أن الشيوخ يزيدون على قول الغزالي الذي قال "إن قولي صواب يحتمل الخطأ وقول غيري خطأ يحتمل الصواب" فهم لا يخطر ببالهم أن قولهم يمكن أن يكون خطأً. فقد روويّ عن أحمد بن حنبل أنه قال لما بلغ بن أبى ذئب أن مالكا لم يأخذ بحديث البيعين بالخيار قال يستتاب وإلا ضربت عنقه. ومالك لم يرد الحديث ولكن تأوله على غير ذلك) (تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، ج3، ص 104). فالذي يحكم بردة الإمام مالك بن أنس لن يتورع عن الحكم بردة المسلم العادي.
ولا نعلم لماذا يتجاهل الشيوخ قول الله: (ونزلنا عليك الكتاب بياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) (النحل 89). وكذلك قوله ( ما فرّطنا في الكتاب من شيء) (الأنعام 38). فالكتاب لا يحتاج أحاديث تزيد إليه أو تشرحه، وقد قال ابن القيم الجوزية: (قال ابن إسحاق: ثم خطب رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم مرة أخرى، فقال: ((إن الحمد للّه أَحمَدُهُ وأَسْتَعِينُه، نَعوذُ باللّه مِنْ شرور أنْفُسِنا، وسَيِّئاتِ أعْمالِنا مَنْ يَهْدِه اللّه، فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِل، فلا هادِيَ له، وأشْهَدُ أن لا إله إلاَّ اللَّهُ وَحْدَه لا شَريكَ له، إنَّ أحسَن الحَديث كِتابُ اللّه، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَيَّنَه اللّه في قلبه، وأدخله في الإِسلام بعد الكفر، فاختارَه على ما سواه مِنْ أحاديث النَّاس، إنَّه أَحْسَنُ الحديثِ وأبْلغُه) (ج1، ص 169). فهذا هو النبي نفسه، إن صح الحديث، يقول إن القرآن هو أحسن الحديث. فالشيخ العبيكان قد أخطأ مرة أخرى.

في البدء عندما كانت المجتمعات بدائية كانت للمرأة مكانة خاصة كونها صاحبة الرحم الذي يهب الحياة ويجددها. وكان الرجال يخدمون المرأة كما يخدم ذكور النحل ملكتهم. وبالتدريج أصبحت المرأة إلهةً في أساطيرهم وسموها إشتار وأيزيز وما إلى ذلك. وحتى عرب ما قبل الإسلام جعلوا آلهتهم نساء، فكانت اللات والعُزى ومناة. وكان الرجل والمرأة عاريين فنحتوا تماثيل الإلهة عشتار في الشرق الأوسط وفي أوربا عارية، ولم يُثر الجسد العاري أي نزعات غير طبيعية في الرجل. ولم تكن لغشاء البكارة أي أهمية في المجتمعات البدائية. وكانت جزيرة العرب كغيرها من المجتمعات البدائية. ثم جاء الإسلام فتمرد على المرأة وسخط على العرب لأنهم جعلوا الملائكة إناثاً وحطّم تماثيل اللات والعًزى وجعل الرجال قوامين على النساء. وحتى يتسنى لهم محو صورة المرأة قبل الإسلام ألفوا قصصاً خيالية عن وأد الرجال العرب بناتهم وهن أحياء، كأنما الرجل العربي كان أقل درجة من الحيوان. فحتى الحيوانات حبتها الطبيعة بغريزة حب صغارها. وكل من شاهد الحيوانات في الغابة أو رأى أفلاماً عنها يعلم أن أنثى الحيوان وأنثى الطيور تدافع دفاع المستميت عن صغارها وتضحي بنفسها لحمايتهم. فحتى لو كان الرجل العربي أقل درجة من الحيوان، هل كانت المرأة كذلك فسمحت له بدفن بناتها أحياء؟ مجرد قصص ابتكروها ليمجدوا الإسلام.
الإسلام اختزل المرأة إلى فرج مهمتها متعة الرجل فقط والرسول يقول في الأحاديث المروية عنه: " كادت أمتي أن تستحل فروج النساء". وفي حجة الوداع قال في خطبته المشهورة: "فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ". فالإسلام عندما يتحدث عن المرأة يذكر فرجها فقط. وانكب علماء الأمة في البحث عن كل ما يتعلق بالفرج من حيض واستحاضة وهل إذا دخل شيء من البول في الفرج تغسل المرأة فرجها قبل الوضوء أم تتوضأ دون غسله. وكتبوا ما جادت به قرائحهم مجتمعةً عن أوضاع نكاح المرأة واختلقوا قصصاً عن اليهود الذين كانوا ينكحون نساءهم من الدبر في القبل فيخرج الولد أحولاً. ويقول القرطبي في تفسير آية " نساؤكم حرث لكم" ما يلي: (كان من أمر أهل الكتاب ألا يأتوا النساء إلا على حرف (أي على جنبها) وذلك أستر ما تكون المرأة، فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم، وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحاً منكراً ويتلذذون منهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات، فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته عليه وقالت: إنما كنا نؤتى على حرف فاصنع ذلك وإلا فاجتنبني! حتى شرى أمرهما فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل "فأتوا حرثكم أنّى شئتم" ). ومن السذاجة قولهم " كان من أمر أهل الكتاب ألا يأتوا النساء إلا على حرف وذلك أستر ما تكون المرأة " فمن من تستتر هذه المرأة التي يجامعها زوجها في مخدعها؟ أتستتر من الله؟ والله يقول آتوهن في أي وضع شئتم. وحتى يهولوا الموضوع أكثر أتوا بقصة ثانية في سبب نزول هذه الآية فقالوا: جاء عمر إلى رسول الله (ص) فقال: يارسول الله هلكت! فقال: وما أهلكك؟ قالت: حولت رحلي الليلة (أي أتى زوجته من دبرها). فانزل الله الآية. وما كان يهم هؤلاء الفقهاء والمفسرين أن قصصهم تتعارض مع بعضها البعض. فهم أخبرونا أولاً أن قريش كانوا يأتون النساء في أي وضع شاؤوا ثم يقولون في القصة الثانية إن عمر عندما أتى امرأته من الدبر انزعج لذلك وقال للرسول" هلكت يا رسول الله. ألم يكن عمر يمارس هذا الشيء وهو في مكة كما كانت يفعل بقية رجال قريش؟ فهؤلاء الفقهاء جعلوا الله يهتم بمعرفة في أي وضع أتى الرجل امرأته.
وجعل الإسلام المرأة جائزةً لمن يشارك في الغزوات، فبدل أن يحثهم الرسول على الغزو باسم الله والحسنات التي سوف يجنونها، حثهم بالنساء، فقالوا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تجهز لغزوة تبوك قال لرجل: يا أبا وهب هل لك في جلاد بني الأصفر تتخذ منهم سراري ووصفاء فقال: يا رسول الله لقد عرف قومي أني رجل مغرم بالنساء وأني خشيت إن رأيت بنات الأصفر أن لا أصبر عنهن فلا تفتني بهن وائذن لي في القعود عنك وأعينك بمالي فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم (أسباب النزول للنيسابوري، سورة التوبة، الآية "ومنهم من يقول إئذن لي" ). وجعل الفقهاء المرأة جائزة لمن يدخل دين الإسلام من أهل الكتاب فقال بن باز: (إن المسلمين لما آمنوا بالله وبرسله وما أنزل عليهم ومن جملتهم موسى بن عمران وعيسى بن مريم عليهما الصلاة والسلام ومن جملة ما أنزل على الرسل التوراة المنزلة على موسى والإنجيل المنزل على عيسى ، لما آمن المسلمون بهذا كله أباح الله لهم نساء أهل الكتاب المحصنات فضلا منه عليهم وإكمالا لإحسانه إليهم ، ولما كفر أهل الكتاب بمحمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه من الكتاب العظيم وهو القرآن حرم الله عليهم نساء المسلمين حتى يؤمنوا بنبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين ، فإذا آمنوا به حل لهم نساؤنا وصار لهم ما لنا وعليهم ما علينا ) ( فتاوى بن باز، ج4، ص 240). فكأنما الله قد جعل الجنس طُعماً لأهل الكتاب ليدخلوا في الإسلام وللمسلمين ليغزوا من لا يسلم. ثم زاد الله للمسلمين من الجوائز الجنسية فجعل ثواب من يعمل خيراً زوجات من الحور كلما فض بكارتهن رجعن عذراوات.
ثم أباح الإسلام للرجال أربعة زوجات وعدداً من الجواري لا تحده إلا مقدرة الرجل المالية على اقتناء الجواري اللاتي يحق له أن يضاجعهن متى شاء حتى إن كن محصنات. وحتى تكمل متعة الرجل الجنسية أباح لهم الإسلام زواج المتعة عندما يكون الرجل بعيداً عن أهله في غزوة أو تجارة، فيدفع للمرأة مالاً يبيح له مضاجعتها حتى تنقضي مدة إقامته ثم يرجع إلى أهله ولا مسؤولية عليه نحو تلك المرأة. وعندما منع الخليفة عمر بن الخطاب هذا النوع من الزواج ثارت ثائرة الرجال واتهم الشيعة عمر بن الخطاب بالكفر واستمروا في ممارسة زواج المتعة الذي هو نوع من أنواع الدعارة بغطاء ديني.
وحتى هذا القدر من الجنس لم يكف فقهاء الإسلام فأباحوا زواج الطفلة التي تبلغ من العمر تسعة سنوات وجعلوا السن القانونية لبلوغ المرأة تسعة سنوات، وهذا يتعارض مع كل الأسس العلمية المعروفة عن نموء أجسام الأطفال.
وحتى هذا القدر لم يكفهم فأباح الإمام الخميني للشيعة مفاخذة البنات الرضيعات حين قال: (لا يجوز وطء الزوجة قبل إكمال تسع سنين، دواماً كان النكاح أو منقطعاً، وأما سائر الاستمتاعات كاللمس بشهوة والضم والتفخيذ فلا بأس بها حتى في الرضيعة ولو وطأها قبل التاسعة ولم يفضها لم يترتب عليه شيء) ( تحرير الوسيلة، ج2، ص 216). ولفائدة القراء الذين لا يعرفون التفخيذ فهو أن يضع الرجل ذكره بين فخذي البنت ولو كانت رضيعة.
وزاد الخميني عندما سألوه عن نكاح الزوجة في دبرها فقال (المشهور الأقوى جواز وطء الزوجة دبراً على كراهية شديدة، والأحوط تركه خصوصاً مع عدم رضاها (نفس المصدر ونفس الصفحة)
وحتى لا يهلل السنة ويتهموا الشيعة بالإباحة فقد روى ابن القيم في كتاب الطب النبوي (قال الشافعي : أخبرني عمي محمد بن علي بن شافع ، قال : أخبرني عبد الله بن علي بن السائب ، عن عمرو بن أحيحة بن الجلاح ، عن خزيمة بن ثابت ، أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن إتيان النساء في أدبارهن ، فقال: ((حلال)) ، فلما ولى ، دعاه فقال : ((كيف قُلتَ ، في أيِّ الخُرْبَتَينِ ، أو في أي الخَرْزَتَينِ ، أو في أيِّ الخَصْفَتَينِ أمنْ دُبُرهاَ في قُبُلهَا ؟ فَنَعَم . أم مِنْ دُبُرِهاَ في دُبُرِهاَ ، فلا ، إنَّ الله لا يَسْتَحيِي مِنَ الحَق ، لا تأتوا النِّساَء في أَدبارهِنَّ)). فالحديث هذا فيه فسحة للذين يريدون أن يحللوا الوطء في الدبر.
وفي المعجم الأوسط للطبراني عن نافع عن ابن عمر قال: ( إنما نزلت " نساؤكم حرث لكم" على رسول الله (ص) رخصةً في إتيان الدبر).
وقد حرّم الفقهاء كل شيء فيه متعة إلا الجنس ومشتقاته، فقد جعلوا الكفارة على من يحنث في يمينه أو يفعل مكروهاً، ولكن عندما أتوا إلى الذي يجامع زوجته وهي حائض قال أكثرهم لا كفارة عليه وقال بعضهم عليه ربع أو نصف درهم. وعندما أتوا كذلك إلى الذي يحلف ألا يطأ زوجته أو أزواجه الأربعة بالإيلاء ثم يجامع بعضهن (لا يحنث حتى يطأ الأربع وقال أصحاب الرأي: يكون موليا منهن كلهن فإن تركهن أربعة أشهر, بن منه جميعا بالإيلاء وإن وطئ بعضهن سقط الإيلاء في حقها, ولا يحنث إلا بوطئهن جميعا ) (المغني لابن قدامة، باب الإيلاء). فإذا حلف ألا يجامعهن ثم جامع ثلاثة منهن فلا حنث عليه. وزادوا في إغفاء الرجل من الموانع الجنسية فقالوا لا عقاب لمن يُقبّل الصبي أو المرأة الأجنبية (السياسة الشرعية لابن تيمية، ج2، كتاب الحدود). كيف يسمح دين من عند الله للرجل أن يُقبّل الصبي؟
ثم ربطوا عبادة المرأة بحسنها ومدى تأثر الرجال بجمالها، فمنعوها من الصلاة في المسجد. قال المالكية إذا كانت المرأة عجوزا لم يعد فيها للرجال مطمع يجوز لها حضور الصلاة في المسجد . أما إذا كانت عجوزا لا يزال فيها مطمع للرجال فيكون مكروها لها حضور الصلاة في المسجد. ويحرم عليها حضور الصلاة في السجد إذا كانت شابة وخيف من حضورها افتتان الرجال بها في المسجد.
والشيء الوحيد الذي يمكن أن نقول إن الإسلام قد احترم فيه المرأة هو الزواج عندما قال: " ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودةً ورحمةً" (الروم 21). ولكن مؤتمر مكة الأخير ألغى حتى هذه المكرمة البسيطة التي جعلت بين الأزواج رحمة ومودة تمكنهم من أن يسكنوا لبعضهم البعض. فقد أباح الشيوخ المجتمعون في مكة زواج المسيار وزواج الفرند. وكلاهما دعارة رسمية تحت غطاء ديني. ففي هذا الزواج تتنازل المرأة عن حقها في السكن وحقها في الإعاشة وحقها في الملبس. الشيء الوحيد الذي تجنيه من هذا الزواج هو المعاشرة الجنسية. والرجل يأتي إلى بيت هذه الزوجة ساعةً من الزمان يمارس معها الجنس ثم يذهب إلى أهله. فما الفرق بين هذه المرأة وبين العاهر في البلاد التي يُسمح فيها بفتح بيوت الدعارة فيأتي الرجل إلى هذه البيوت ويدفع إلى المومس بضع دراهم ويجامعها ثم يرجع إلى بيته؟ وزاج الفرند هو نفس العرف المتبع في البلاد الغربية حيث يكون للرجل صديقة Girlfriend يعاشرها معاشرة الأزواج على بينة من الملأ ويسكنان في منزلهما المشترك وينجبان الأطفال إن أرادا، ويفترقان متى أراد أحدهما أو كلاهما، أو قد يتزوجان زواجاً تقليداً بعد ذلك. فعلى الأقل في البلاد الغربية نجد أن الناس أكثر أمانة وصدقاً ولا يدعون أن معاشرتهما زواج. بينما في البلاد الإسلامية يريد لنا الفقهاء أن نعتبر معاشرة الفرند زواجاً. إنه الهوس الجنسي الذي بُني عليه الإسلام.
ففي عالم اليوم المليء بالإرهاب وتكفير الغير وتأخر المسلمين وتهميش نصف المجتمع، كنا نتوقع من مؤتمر ضم كبار شيوخ العالم الإسلامي أن يخرج علينا الشيوخ باجتهاد يبيح تحمل الغير واقتسام الحقيقة معهم بدل استحواذ المسلمين على الحقيقة المطلقة، خاصة أنهم كانوا مجتمعين في مكة التي رفضت تحمل من يدعو لغير دينها وأخرجت محمد وأصحابه إلى يثرب. لكن للأسف فإن اهتمام الشيوخ كان منصباً في منطقة الإزار مما جعلهم يركزون كل اجتهاداتهم في إباحة زواج المسيار والفرند. وما أصدق المتنبي حين قال:
ما غاية الدين أن تحفوا شواربكم **** يا أمة ضحكت من جهلها الأمم

من هو حسن الترابي؟ الدكتور حسن الترابي رجل تخطى السبعين من العمر وقد تخرج في جامعة الخرطوم، كلية القانون والشريعة ثم نال درجة الدكتوراه من جامعة السوربون في باريس وصار فيما بعد عميد كلية القانون بجامعة الخرطوم. وهو يجيد اللغة العربية والإنكليزية والفرنسية. وقد انضم الترابي إلى تنظيم الأخوان المسلمين عندما كان طالباً وظل يتدرج في التنظيم إلى أن أصبح زعيم الجماعة بالسودان. فالرجل متشبع بالإسلام منذ صغره ومتبحر في القانون الشرعي والمدني. وعندما يتحدث رجل مثل الترابي، قضى جل عمره في دراسة وتدريس الإسلام، عن الإسلام، يجب أن تناقشه العقول نقاشاً فكرياً بدل رميه بتهمة الزندقة التي رموا بها المعتزلة والقدرية وغيرهم من المفكرين مثل الراوندي والجعد بن جهم قبل آلاف السنين. ولكن للأسف فهناك عقول تحجب العمائم عنها ضوء العلم كما تحجب أشعة الشمس عن الوصول إلى تلك الرؤوس الخاوية. هذه العمائم التي تسمي نفسها "الرابطة الشرعية للعلماء والدعاة بالسودان" بقيادة الشيخ الأمين الحاج محمد، صاحب موقع "الدين النصيحة" http://www.islamadvice.com والذي عمل بالسعودية مدرساً في اللغة العربية لمدة أربع وعشرين سنةً، رفعت عريضة لرئيس الجمهورية بالسودان تطالبه بتطبيق حد الردة على د. الترابي إن لم يتب عما قال. وذكرت هذه المجموعة في بيانها للناس الأسباب التي دعتهم إلى الحكم بردة الترابي، وقالت في أول البيان (وصلى الله وسلم وبارك على رسوله الذي حذر من الدجاجلة وأخبر بخروجهم، فقال: "لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذاباً دجالاً") انتهى. والمنجد يقول عن الدجّال: ( هو ماء الذهب وجمعها دجالون ودجاجلة: الكذاب تشبيهاً بماء الذهب لأنه يُظهر خلاف ما يُبطن) انتهى. ود. الترابي لا ينطبق عليه هذا الوصف إذ أنه أعلن ما أغضب هذه الجماعة ولم يبطنه، وظل يقول به منذ الستينات، كما تقول المجموعة نفسها في عريضتها: (ما فتئ د. الترابي منذ الستينات يردد ويجتر أقوالاً شاذة، وأفكاراً ضالة، يفتري فيها الكذب على الله، ورسوله، ودينه، يلبس ويدلس بها على الناس، تصب كلها في معين واحد، وهو السعي إلى تبديل الدين وتطويعه حتى يساير ما عليه الكفار اليوم. عندما نبذه قومه، وعزل من السلطة وهو من هواتها، جن جنونه، ففجر في خصومته، ورفع عقيرته، وأبدى ما كان يخفيه من قبل، تزلفاً للكفار، وخطباً لود الأسياد، فكانت النتيجة هذيانه في ندوة بورتسودان، وفي مقابلة قناة العربية، وندوة حزب الأمة الإصلاح، وما تطفح به صحيفة "رأي الشعب" من الضلال المبين والقول المشين) انتهى. فالمجموعة تقول إنه ظل يقول بهذه الأقوال منذ الستينات، فكيف يكون دجالاً يُظهر شيئاً ويبطن غيره؟ هذه المجموعة التي لا تعي ما تقول تريد أن تحكم بردة د. الترابي.
واستمرت هذه المجموعة في تخبطها وعدم فهمها اللغة العربية، فقالت: (لهذا وغيره تعين على أهل العلم في هذا البلد خاصة، وفي غيره من دار الإسلام، أن يبينوا حكم الشرع فيما صدر منه، عملاً بالميثاق الذي أخذ عليهم: "وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ" ) انتهى. وواضح من الآية أن الله كان يخاطب النبيين وأخذ ميثاقهم على أن يؤمنوا بمن جاء بعدهم من الأنبياء، والآية لا تخاطب عامة المسلمين كما تزعم هذه المجموعة. يقول القرطبي في تفسير هذه الآية: (قيل أخذ الله تعالى ميثاق الأنبياء أن يصدق بعضهم بعضاً ويأمر بعضهم بالإيمان بعضاً، فذلك معنى النصرة بالتصديق. وهذا قول سعيد بن جبير وقتادة وطاوس والسدي والحسن. وهو ظاهر الآية. قال طاوس: أخذ الله ميثاق الأول من الأنبياء أن يؤمن بما جاء به الآخر) انتهى.
وتستمر العريضة فتقول: (وخشية من الوعيد الصادر من الصادق الحبيب صلى الله عليه وسلم: "من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة" ) انتهى. ولم تقل لنا المجموعة من الذي سألهم عن العلم وخافوا أن يكتموه فيلجمهم الله بلجام من نار. وأين هو هذا العلم الذي تخاف المجموعة من كتمانه؟
ثم تقفز المجموعة إلى إصدار الحكم على د. الترابي دون الاستماع إلى أقواله ودون مناقشته فيما قال، وبذا تكون المجموعة قد كونت من نفسها محكمة حكمت على الترابي غيابياً، فقالت: (وحيث لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فقد صدر هذا البيان، وحرر هذا الحكم، تبرئة للذمة، ونصحاً للأمة، "أن الترابي كافر مرتد"، ما لم يتب عن جميع تلك الأقوال، ويعلن توبته على الملأ مفصلة، يتنصل فيها ويتبرأ عن كل ما صدر منه أمام طائفة من أهل العلم، بحكم قوله تعالى: "إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ"، فأهل الأهواء لا تقبل لهم توبة إلا إذا أعلنوها وأشهدوا عليها، وإن كان الزنديق لا تقبل له توبة في الدنيا في أرجح قولي العلماء) انتهى. ويبدو أن هؤلاء العلماء الذين يخافون الله لا يريدون أن يتأخر إعلانهم بالحكم على الترابي فتبرأ ذمتهم بهذه العجلة في الحكم. فقد دفعهم حبهم لله أن يتولوا عنه مشيئته، فقالوا إن الزنديق لا تقبل توبته، رغم أن الله يقول في القرآن: "ولله ما في السموات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم" (آل عمران، 129). وقال كذلك: "إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" (النساء 48). والترابي لم يشرك بالله إنما اجتهد في تفسير بعض آيات القرآن، فكيف يحرمونه من التوبة والغفران والله يقول إنه يغفر كل شيء ما عدا الشرك؟
ثم ادعت المجموعة أن الترابي قد أنكر ما هو معروف من الدين بالضرورة ولذلك ارتد عن الإسلام، فقالت: (ومنكِرُ ما هو معلوم من الدين ضرورة كفره لا يختلف فيه اثنان، إذا توفرت الأسباب وانتفت الموانع، كحال الترابي، فهو بالغ، عاقل، عالم بما يقول، بل مدعٍ للاجتهاد وكاسر لبابه) انتهى. فإن الذي يجتهد يكون قد كسر باب الاجتهاد الذي أوصده فقهاء البصرة في القرن الثاني عشر الميلادي، حسب ما تقول هذه المجموعة. والأسباب التي أدت إلى الحكم بالردة هي:
1- إباحته للردة، وزعمه أن سلمان رشدي ليس كافراً، رداً لقوله تعالى: "وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ"، وقوله صلى الله عليه وسلم: "من بدَّل دينه فاقتلوه"، ولقوله: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث"، وذكر منها: "التارك لدينه المفارق للجماعة"، ولإجماع الأمة.
فإذا سألنا هذه المجموعة التي ربما لم يقرأ واحد منهم كتاب سلمان رشدي: بأي شيء كفر سلمان رشدي؟ هل أنكر الشهادة أو أشرك بالله؟ كونه كتب رواية وملأها بما احتوته كتب السيرة لا يجعله كافراً. ثم حتى لو أقررنا بأن هناك شيئاً في كتابه قد يبرر قول بعضهم بردته، فهل إذا أختلف معهم الترابي وقال إنه لم يرتد، يصبح الترابي مرتداً بقوله هذا؟ أما الآية التي ذكروها من سورة البقرة فلا تدل على أن الترابي قد ارتد ولا حتى سلمان رشدي إذ أن سلمان رشدي لم يعلن أنه ارتد عن الإسلام وما عقدت له محكمة أدانته بالردة. كل ما في الأمر أن الخميني أفتى بردته دون أن يقرأ الكتاب ليتأكد بنفسه. أما الحديثين المذكورين فهما حديثان متفق عليهما وليسا مرفوعين. ثم أن الحديثين يقولان اقتلوا من ارتد بينما يقول القرآن صراحةً: "يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين" ( المائدة 54). ويقول كذلك: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم تعملون" (المائدة 105). ويقول: " ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا يجعل لهم حظاً في الآخرة ولهم عذاب عظيم" ( آل عمران 176). وأخيراً يقول: "إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا" ( النساء). فالقرآن هنا لا يذكر شيئاً عن قتل المرتد، فأي فقيه هذا الذي ينسخ القرآن بأحاديث معنعنة ومتفق عليها فقط. والقاعدة في علم الحديث أن الحديث إذا تعارض مع صريح القرآن لا يُعتمد.
2- . رفعه الكفر عن اليهود والنصارى الحاليين، رداً لقوله: "إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ"، ولقوله: "لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ"، ولقوله: "لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ".
ونرد على هؤلاء بأن نذكرهم بقول الله: " ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون. يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين" ( آل عمران 114). وكذلك: " إن من أهل الكتاب من يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب" ( آل عمران 199). وكذلك: " ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون" ( الأعراف 159). ثم قال: "إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون" (البقرة 62). وكرر نفس الآية في سورة الحج. فأهل الكتاب يومنون بالله ويعملون صالحاً اكثر مما يعمل أعضاء هذه الجماعة الذين حكموا بردة الترابي. فأهل الكتاب هم الذين يهبون إلى مساعدة المنكوبين في الكوارث الطبيعية وهم الذين يطعمون الجائع. ألم يطعم الرئيس الأمريكي ريغان أهل السودان في الثمانينات عندما كادت أن تهلكهم المجاعات؟ ألم يضحي المغني الإنكليزي بوب جلدوف بوقته وماله لإحياء حفلات غنائية لجمع التبرعات لمنكوبي المجاعة في إريتريا والصومال والحبشة عندما سدت مجموعتهم آذاها عن صياح الجوعى؟ أليس من حق الترابي أن يرفع الكفر عنهم وقد رفعه الله في صريح كتابه؟ وعندما قال القرآن " إن الذين كفروا من أهل الكتاب" قصد بهم اليهود الذين عاصروا ظهور عيسى بن مريم الذي جاء ليكمل لهم رسالتهم وكفروا به.
3- . انتقاصه للرسل والأنبياء، والنيل منهم، نحو زعمه:
أ. أن إبراهيم عليه السلام كان شاكاً، وكان يعبد الكواكب قبل البعثة.
ب. يردد كثيراً: (ضلال الرسول محمد صلى الله عليه وسلم).
ج. وأن يونس عليه السلام شرد، وأنه كان مغاضباً لربه.
رداً لكثير من الآيات والأحاديث التي حضت على تعظيم الأنبياء، كقوله تعالى: "وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ"، "وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ".
وربما نسي هؤلاء أو تناسوا أن إبراهيم قال لله: "وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي" (البقرة 260). فإبراهيم نفسه يقول إن قلبه لم يكن مطمئناً ولذلك طلب من الله أن يريه كيف يحيي الموتى. ثم أن الله نفسه يقول للنبي محمد: "الحق من ربك فلا تكونن من الممترين" (البقرة 147) والممترون هم الشاكون. وكرر الله الوصية لنبيه كذلك في آل عمران 60 وفي الأنعام 114. فإذاً كل الأنبياء يداخلهم الشك ويطمئنهم ربهم. فهل في هذا القول ارتداد؟ أما عن ضلال الرسول محمد فقد عاتبه الله عندما عبس وتولى عن ابن أم مكتوم الأعمى، فإذا عاتبه الله فلا بد أن يكون قد ضل. وماذا عن أول الأنبياء آدم عندما قال الله عنه: "وعصى آدم ربه فغوى" (طه 121). والرسول محمد بشر يخطئ كما يخطئ بقية البشر، وقد كرر القرآن مراراً أن الأنبياء بما فيهم محمد، بشر مثلنا. وأما قصة يونس قد حكتها التوراة وقالت إنه هرب في المركب عندما طلب منه الله أن يذهب إلى مدينة بعينها، ولذلك أغرقه الله وجعل الحوت يبتلعه. أما الآية التي أوردوها عن التوقير فآية ناقصة وقد أخرجوها عن سياقها. فالآية تكمل ما قبلها حيث تقول الآية 8 من سورة الفتح: "إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيرا" ثم الآية 9 تقول: "لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرةً وأصيلاً" فالآيات هنا تخاطب الرسول وتقول له إنا أرسلناك لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروا الله وتوقروه وتسبحوا له، ولم تقل لتوقروا النبي.
4-. زعمه أن حواء أول الخلق وليس آدم عليهما السلام، منافقة للنساء، ورداً لقوله تعالى: "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ. وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا"
والآيتين من سورة البقرة لا يدلان على أن آدم خُلق أولاً. فقوله" إني جاعل في الأرض خليفة" لا تعني أن الخليفةً بالضرورة رجل، فقد يكون الخليفة امرأةً. فكون الترابي اجتهد في تفسير الآية لا يعني أنه ارتد عن الإسلام.ً
5- . أن أصل الإنسان قرد، رداً لما عليه أهل الإسلام.
وأحب أن أؤكد للسادة المشايخ أن الإنسان أصله قرد وأن العلم الحديث أثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن جينات القرد الشمبانزي وجينات الإسان تتطابق في ما لا يقل عن 98 بالمائة منها. وكل الحفريات أظهرت هياكل الإنسان الأول الذي عاش قبل مئات الآلاف من السنين قبل أن يخلق الله آدم قبل خمسة آلاف سنة كما يقولون ، كل هذه الهياكل اثبتت أن الإنسان كان يمشي على أربعة ثم صار كالقرد له ذراعان طويلان ثم استقام وأصبح إنساناً. فالترابي، لأنه لم يحصر نفسه في دراسة الفقه والقرآن فقط، اقتنع أن الإنسان أصله من القرد. والاعتراف بالحقيقة ليس ارتداداً.
6- . إنكاره لنزول عيسى عليه السلام، رداً لقوله تعالى: "وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا"15، وللعديد من الأحاديث التي تواترت تواتراً معنوياً
ويبدو أن هذه المجموعة من الشيوخ تُخفي الآيات القرآنية التي لا توافق ما ذهبوا إليه. فماذا يقولون عن الآية: " إذ قال يا عيسى إني متوفيك ورافعك إليّ ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة" ( آل عمران 55). ألم يقل الله لعيسى إنه متوفيه قبل أن يرفعه إليه. وماذا عن الآية التي يخاطب فيها عيسى بن مريم الله فيقول: " ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنتُ عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد" (المائدة 117). فواضح أن الله قد توفاه فإذا اختلف الناس في تفسير الآيات لا يعني هذا أنهم ارتدوا عن الإسلام. فإذا كانت آيات القرآن نفسها مليئة بالمتناقضات، فليس على الناس ذنب في الاختلاف في تفاسيرها.
7- . رده لكثير من الأحاديث التي تلقتها الأمة بالقبول، نحو حديث الذباب، حيث قال: (إنه يأخذ فيه برأي الطبيب الكافر، ولا يأخذ فيه بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يسأل عنه عالم الدين)، تكذيباً للرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبر
والترابي محق فيما ذهب إليه إذ أن الذباب لا يحمل إلا القاذورات والأمراض وليس به أي نفع كما أثبت العلم الحديث. وقد نفهم أن يؤلهوا النبي ولا يقبلوا تكذيبه، أما أن يؤلهوا أبا هريرة ورواة الحديث الآخرين فأمر شاذ. والترابي هنا لم يكذب الرسول وإنما كذّب الذين نقلوا عنه مثل هذا الحديث الذي يطير في وجه الحقائق العلمية. إفتحوا عيونكم إن كانت عقولكم محجوبة، وانظروا أين يحط الذباب قبل أن يقع في شرابكم.
8- . إنكاره لفضل الذكر على الأنثى، رداً لقوله تعالى: "وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى"، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "كمُل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع"، وزعمه أن المرأة مساوية للرجل، بل هي أفضل من الرجل لأنها تحمل.
مرة أخرى يتلاعب الشيوخ بالنص القرآني لخداع الناس أن الله قال "وليس الذكر كالأنثى" وهذا القول خاطئ، فجملة "ليس الذكر كالأنثى" جملة اعتراضية قالتها أم مريم عندما وضعتها وكانت قد نذرت ولدها لخدمة الله. والجملة ليست من قول الله. يقول القرطبي في تفسيره: (وهذه الصالحة إنما قصدت بكلامها ما تشهد له به بينة حالها وقطع كلامها، فإنها نذرت خدمة المسجد في ولدها فلما رأته أنصى لا تصلح وأنها عورة، اعتذرت إلى ربها من وجودها لها على خلاف ما قصدته فيها). والطبري أكثر أيضاحاً هنا إذ بقول: ( فتأويل الكلام إذاً: والله أعلم من كل خلقه بما وضعت. ثم رجع جل ذكره إلى الخبر عن قولها وأنها قالت اعتذاراً إلى ربها مما كانت نذرت في حملها فحررته لخدمة ربها " وليس الذكر كالأنثى" لأن الذكر أقوى على الخدمة) انتهى. فإذاً شبه الجملة التي أوردوها " وليس الذكر كالأنثى" هي من كلام زوجة عمران. وسبب قولها هو أن الذكر أقوى جسدأ وأصلح للخدمة. وهذا لا يعني أن المرأة والرجل غير متساويين في الأشياء الأخرى غير الجسدية.
9- إباحته للمرأة أن تلي الإمامة الكبرى والقضاء، والوزارة، ونحوها، وأن تؤم الرجال في الصلاة، رداً لقوله تعالى: "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء"، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"
والشيوخ لا شك يعرفون أن قوامة الرجل على المرأة تعني الإنفاق عليها لأنها تشتغل بتربية الأطفال ولا تستطيع دائماً الكسب من العمل لتعول نفسها، ولا تعني أنهم أحسن من النساء، إنما القوامة أعطيت لهم بما أنفقوا من أموالهم، كما تقل الآية. أما إمامة المرأة للرجال فأمر مختلف عليه ومن حق الترابي أن يختار أي رأي مما قال به أهل التفسير. فالإمام ابن رشد القرطبي يقول: (اختلفوا في إمامة المرأة، فالجمهور على أنه لا يجوز أن تؤم الرجال واختلفوا في إمامتها النساء، فأجاز ذلك الشافعي، ومنع ذلك مالك وشذ أبو ثور والطبري، فأجازا إمامتها على الإطلاق، وإنما اتفق الجمهور على منعها أن تؤم الرجال، لأنه لو كان جائزا لنقل ذلك عن الصدر الأول، ولأنه أيضا لما كانت سنتهن في الصلاة التأخير عن الرجال علم أنه ليس يجوز لهن التقدم عليهم، لقوله عليه الصلاة والسلام "أخروهن حيث أخرهن الله" ولذلك أجاز بعضهم إمامتها النساء إذ كن متساويات في المرتبة في الصلاة، مع أنه أيضا نقل ذلك عن بعض الصدر الأول، ومن أجاز إمامتها فإنما ذهب إلى ما رواه أبو داود من حديث أم ورقة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزورها في بيتها وجعل لها مؤذنا يؤذن لها، وأمرها أن تؤم أهل دارها" وفي هذا الباب مسائل كثيرة أعني من اختلافهم في الصفات المشترطة في الإمام تركنا ذكرها لكونها مسكوتا عنها في الشرع. قال القاضي: وقصدنا في هذا الكتاب إنما هو ذكر المسائل المسموعة أو ماله تعلق قريب بالمسموع.) (بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ج1، ص 104). فإذا كان الترابي قد ارتد بهذا القول، فقد أرتد أبو ثور وارتد الإمام الطبري كذلك. فهل يحكم الشيوخ بردتهم؟ ثم ماذا عن الإمام ابن الجوزي الذي قال في كتابه "أحكام النساء": (وتصح إمامة المرأة للرجال في موضع واحد، وهو صلاة التراويح إذا كانت المرأة تحفظ القرآن، إلا أنها تقف وراءهم) (ص133). فهل ارتد ابن الجوزي؟ وإذا اأباح لها ابن الجوزي أن تؤمهم في التراويح، أليس من حق الآخرين أن يجتهدوا كما اجتهد هو؟
10- . أجاز للكافر أن يتزوج المسلمة، رداً لقوله تعالى: "لا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ"، ورداً لإجماع الأمة.
ومرة أخرى تقاضى الشيوخ عن الآية التي يقول: " ولا تَنْكحوا المشركات حتى يؤمنّ ولأمًةٌٌ مؤمنة خيرُ من مشركةٍ ولو أعجبتكم ولا تُنْكِحوا المشركين حتى يؤمنوا" (البقرة 221). فأهل الكتاب الذين عناهم الترابي ليسوا مشركين، فهم يؤمنون بالله الواحد. وإذا كانوا مشركين فلا يجوز للمسلم زواج نسائهم كما تقول الآية. فإذا أجاز الشيوخ زواج أنفسهم من الكتابيات فالواجب أن يجيزوا زواج رجال أهل الكتاب من المسلمات، ويجب عليهم ألا يكيلوا بمكيالين. فالذي يفسر هذه الآية بظاهر لفظها ليس مرتداً أيها الشيوخ.
11- . زعمه أن شهادة المرأة تعدل شهادة الرجل، رداً لقوله تعالى: "فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ"
وليس هناك أي سبب يجعل شهادة المرأة أقل من شهادة الرجل، وقد أخذ القدماء بشهادة امرأة واحدة في سبب نزول بعض الآيات. فقد قال الإمام جلال الدين السيوطي في كتاب "الإتقان" ما يلي: (ومنها أول المائدة أخرج البيهقي في شعب الإيمان عن أسماء بنت يزيد أنها نزلت بمنى وأخرج في الدلائل عن أم عمرو عن عمها أنها نزلت في مسير له( (ص 28). فإذا أخرجوا أحاديث وأسباب نزول الآيات بشادة امرأة واحدة، فلماذا لا تكون شهادة المرأة مساوية لشهادة الرجل؟ وهل يُكفّر هؤلاء الشيوخ كل أهل تونس والمغرب الذين جعلوا المرأة مساوية للرجل في كل شيء؟ أفيقوا من سباتكم أيها الشيوخ فالوقت لا ينتظركم.
12- وصفه للحجاب بأنه عادة عربية، رداً لقوله تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ
أما هذه الآية التي أتى بها الشيوخ فلا تتحدث عن الحجاب إذ ليس الجلباب كالحجاب. الجلباب يُضم على الجسم والصدر بينما الحجاب على الرأس والوجه. وآية الحجاب نزلت في نساء النبي تحت إلحاح عمر بن الخطاب الذي طلب من النبي أن يحجب نساءه عن الرجال الذين كانوا يدخلون منزله دون إذن. والترابي ليس أول من قال إن الحجاب ليس إسلامياً وإنما لباس عربي قديم سبق الإسلام. فهل ارتد كل الذين قالوا بهذا، وهل نقتلهم بردتهم؟
13- انتقاصه للعلماء، والإزراء بهم، ووصفهم بأوصاف يندي لها الجبين، والعلماء هم الأولياء، وقد توعد الله من عادى له ولياً: "من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب"
وأنا لم أر فيما قرأت ما يدل على أن هؤلاء الشيوخ علماء حتى يقولوا إن الترابي قد أزرى بهم. ثم أن القرآن لا يقول بذلك والحديث الذي أوردوه عن البخاري ليس ملزماً لكل مسلم. وخلاصة القول إن الذين حكموا بردة الترابي ليسوا أهلاً لمثل هذا الحكم. وقد فعلوا نفس الشي عندما طالبوا بمحاكمة الشيخ محمود محمد طه الذي حاكمه الجنرال النميري وحكمت المحكمة الشرعية بردته وقتله، وفيما بعد حكمت المحكمة العليا بخطأ الحكم الأول لأن القانون السوداني وقتها لم تكن به مادة تنص على جريمة الردة (الوطن القطرية 30 أكتوبر 2003). ولكن مع ذلك قتلوا محمود محمد طه. فهل يقتل الجنرال البشير عرّاف ثورة الإنقاذ الذي أتى به إلى الحكم وكان أستاذه على مدى عدة أعوام إلى أن أفسدت السلطة كليهما؟

"هل العرب مسلمون؟" سؤال سأله الدكتور شاكر النابلسي في موقع " إيلاف " الإلكتروني يوم الجمعة 24 سبتمبر 2004، وأجاب عليه بما يفيد أن العرب ليسوا مسلمين ولا يطبقون تعاليم الإسلام.
ونفي الدكتور داء الإرهاب عن كل الشعوب الأخرى ما عدا العرب. ورغم احترامي الزائد للدكتور النابلسي أود أن أستميحه العذر في أن اختلف معه اختلافاً كاملاً فيما ذهب إليه.
وقبل الخوض في هذا الموضوع يجب أن نكون واضحين في تعريفنا للإرهاب، رغم صعوبة هذا التعريف. فتعريف الرئيس الأمريكي بوش للإرهاب يختلف عن تعريف " قاموس أكسفورد " الذي يقول: " الإرهابي هو الشخص الذي يحاول نشر معتقداته وآرائه عن طريق إرعاب وتخويف الآخرين " وأعتقد أن هذا التعريف يكفي لاحتواء أغلب الأعمال الإرهابية التي نراها اليوم. واختلافي مع الدكتور يبدأ من الفقرة الأولى في مقاله، إذ قال: " عندما جاء الإسلام إلى العرب قبل خمسة عشر قرناً، كان العرب في أشد الحاجة إليه. ولولا خوفهم من أن الدين الجديد سوف يهدد أمنهم ويقضي على تجارتهم والسياحة الدينية التي كانت تجلبها الأصنام لهم، ويثوّر عليهم العبيد والأُجراء والمستخدمين والمعذبين في الأرض، وهو ما عبّر عنه القرآن بقوله: (وقالوا ان نتبع معك الهدى نتخطّف من أرضنا) (سورة القصص، آية 58) لدخلوا في دين الله أفواجاً منذ اللحظة الأولى لظهور الإسلام، ولما بقي الرسول يدعوهم في مكة طيلة خمس عشرة سنة، دون أن يستطيع ادخال أكثر من 150 مسلماً فقط في الإسلام. " وهذا في رأيي افتراض لا يقبله الجميع. فالاكتساب من التجارة والسياحة الدينية لم يكن حرفة الغالبية العظمى من عرب الجزيرة إذ أن التجارة كانت محصورة في بعض بيوتات مكة وكانت سقاية الحجاج ورفادتهم في يد بني عبد الدار بن قصي بن كلاب، وكان هؤلاء فخذاً من قريش، أما بقية القبائل العربية فلم تكن التجارة تعنيهم أو تمنعهم من اتباع الدين الجديد. وعرب ما قبل الإسلام لم يكونوا في أمس الحاجة للإسلام لأن عرب الشمال والجنوب كانوا قد اعتقوا المسيحية، وقبائل الوسط كانوا راضين بأصنامهم وكانوا متسامحين في اعتقاداتهم بدليل أن الكعبة كان بها ثلاثمائة وستون صنماً، لكل قبيلة أصنامها، ولم يتحارب العرب يوماً بسبب أصنامهم.
قبائل البادية كانوا يغيرون على بعضهم البعض من باب الافتخار بالشجاعة ولكسب الغنائم من أنعام ونساء. وبعضهم كان يقطع الطريق على القوافل التجارية الرومانية والقرشية. ولكن لم يكن هناك قتل للآخر من أجل نصرة أحد الأصنام. والعرب المسيحيون لم يحاربوا غير المسيحيين لإدخالهم في المسيحية عنوةً. وعرب قريش الذين لم يعتنقوا الإسلام كانوا من أقرب الناس للرسول ولم يكونوا من أهل السقاية والرفادة، ولم تمنعهم تجارتهم من اعتناق الإسلام، ومنهم عم الرسول أبو طالب الذي مات كافراً وعمه العباس الذي حاربه في واقعة بدر ولم يسلم إلا قبل أعوام بسيطة من موت الرسول، وزوج ابنته زينب الذي أسلم عام ثمانية هجري، وعمه أبو لهب وأبناء عمومته آل سفيان بن حرب وأغلب الحنيفيين الذين لم يروا جديداً في الإسلام. وحتى عندما فتح الرسول مكة قال أبو سفيان للعباس عم الرسول " أرى أن مُلك ابن أخيك قد اتسع " فالذي منع عرب مكة من اعتناق الإسلام هو عدم تصديقهم أنه دينٌ جديد.
ولم يظهر الإرهاب، بتعريفة السابق، في الوسط العربي إلا بعد ظهور الإسلام.
والإرهاب عموماً بدأ مع بداية الأديان السماوية. وأول بدايته كانت مع ظهور الديانة اليهودية إذ حث موسى أتباعه من بني إسرائيل على قتل كل القبائل غير اليهودية في فلسطين. فنجده يقول لموسى عندما أقام بنو إسرائيل في " شطيم" وأُعجب رجالهم بنساء مُواب وأحبوهن وسجدوا لآلهتهن: " فحمى غضب الرب على إسرائيل {4} فقال الرب لموسى: خذ جميع رؤوس الشعب وعلقهم للرب مقابل الشمس فيرتد حمو غضب الرب عن إسرائيل " (سفر العدد، الإصحاح 25 )
وبعد أن قتل موسى رؤساء القوم وعلق رؤوسهم في الشمس، طلب منه الإله أن يعتبر جميع أهل مدين أعداء وعليه أن يقتلهم: " فَتَجَنَّدُوا عَلى مِدْيَانَ كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ وَقَتَلُوا كُل ذَكَر{7}ٍ. وَمُلُوكُ مِدْيَانَ قَتَلُوهُمْ فَوْقَ قَتْلاهُمْ. أَوِيَ وَرَاقِمَ وَصُورَ وَحُورَ وَرَابِعَ. خَمْسَةَ مُلُوكِ مِدْيَانَ. وَبَلعَامَ بْنَ بَعُورَ قَتَلُوهُ بِالسَّيْفِ {8}. وَسَبَى بَنُو إِسْرَائِيل نِسَاءَ مِدْيَانَ وَأَطْفَالهُمْ وَنَهَبُوا جَمِيعَ بَهَائِمِهِمْ وَجَمِيعَ مَوَاشِيهِمْ وَكُل أَمْلاكِهِمْ {9}. وَأَحْرَقُوا جَمِيعَ مُدُنِهِمْ بِمَسَاكِنِهِمْ وَجَمِيعَ حُصُونِهِمْ بِالنَّارِ{10}. وَأَخَذُوا كُل الغَنِيمَةِ وَكُل النَّهْبِ مِنَ النَّاسِ وَالبَهَائِمِ {11} وَأَتُوا إِلى مُوسَى وَأَلِعَازَارَ الكَاهِنِ وَإِلى جَمَاعَةِ بَنِي إِسْرَائِيل بِالسَّبْيِ وَالنَّهْبِ وَالغَنِيمَةِ إِلى المَحَلةِ إِلى عَرَبَاتِ مُوآبَ التِي عَلى أُرْدُنِّ أَرِيحَا {12} ( سفر العدد، الإصحاح 310 ) وعندما علم موسى أنهم لم يقتلوا النساء غضب عليهم غضباً شديداً: " فَسَخَطَ مُوسَى عَلى وُكَلاءِ الجَيْشِ رُؤَسَاءِ الأُلُوفِ وَرُؤَسَاءِ المِئَاتِ القَادِمِينَ مِنْ جُنْدِ الحَرْبِ {14}. وَقَال لهُمْ مُوسَى: «هَل أَبْقَيْتُمْ كُل أُنْثَى حَيَّةً؟ {15} " (نفس السفر ونفس الإصحاح ) وأمرهم موسى أن يقتلوا كل طفلٍ ذكرٍ وكل امرأة ضاجعت رجلاً وسمح لهم أن يحتفظوا بالعذارى لأنفسهم، فكان نصيبهم من العذارى 32000 عذراء. وفيما بعد تطور الإرهاب اليهودي حسب تطور الأزمان، فرأينا مناحم بيغن وموشى دايان يفجران فندق الملك داود بالقدس ويقتلان عشرات الجنود الإنكليز داخل الفندق. ويستمر الإرهاب الإسرائيلي الآن بأن يستعمل الإسرائيليون العقاب الجماعي ضد الفلسطينيين وبهدم بيوت أهل " الإرهابيين " وتشريدهم.
وكل هذا يحدث باسم الدين لأن الله وعد اليهود أرض فلسطين. وطبعاً فكرة العقاب الجماعي نفسها مأخوذة من الدين اليهودي إذ كان الله يعاقب مجموعة من الناس بما فيهم الأطفال والنساء، بجريرة رجل واحد. فعندما اختلف بعض الناس، ومنهم مريم أخت هارون، وفورح بن يصهار، مع موسى، لم يتردد الإله من أن يخسف بهم الأرض، كما يخبرنا في سفر " العدد" : " قال الرب لموسى وهارون: إفترزا من بين هذه الجماعة فإني أفنيهم في لحظة. فخرا على وجهيهما وقالا: اللهم إله أرواح جميع البشر هل يخطئ رجلٌ واحد فتسخط على كل الجماعة ؟" (سفر العدد، الإصحاح 16، الآيات 21-22 ) ولكن إله موسى كان غاضباً ولم يهتم لتوسلاتهما، وطلب منهما الانفصال عن الجماعة المحكوم عليها بالإعدام، فطلع فورح وداثان وإبرام ووقف داثان وإبرام مع نسائهما وبنيهما وأطفالهما أمام خيمتيهما. " فلما فرغ من التكلم بكل هذا الكلام انشقت الأرض التي تحتهم وفتحت الأرض فاها وابتلعتهم وبيوتهم وكل من كان لفورح مع كل الأموال" (سفر العدد، الإصحاح 16، الآيات 30-31 )
وجاء الإسلام وردد قصصاً مثل قصة لوط وأضاف قصة صالح وقوم عاد، حيث عاقب الله الجميع وأخذهم بجريرة المذنب. فلأن رجلاً واحداً عقر ناقة صالح، أخذت الصيحة كل المدينة بأطفالها وحيواناتها.
وقد ذكر القرآن احتجاج موسى على هذا النوع من العقاب الجماعي إذ قال موسى لربه: " أتؤاخذنا بما فعل السفهاء منا " ولم يكتف الإسلام بتكرار القصص بل حث العرب على قتال غير المسلمين وفرض الآراء الجديدة عليهم:
*قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قومٍ مؤمنين
*قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون
*(أيها النبي حرّض المؤمنين على القتال).
*كتب عليكم القتال وهو كره لكم
*(واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم
*فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب
فأصبح قتل المخالف في الرأي والذي لا يعتنق أفكارنا شعاراً من شعائر الإسلام قتلنا من أجله الآلاف، إن لم نقل الملايين من النصارى واليهود والهنود والفرس والأوربيين من إسبانيين وبلغار وغيرهم، عندما كان المسلمون أقوياء. ولما أصبح المسلمون ضعفاء في القرن العشرين، وأراد علماؤهم الدينيون إشعال الحماسة الدينية فيهم لإلحاق الهزيمة بالدول الأقوى منهم، كان لا بد من اللجوء إلى القرآن لاستنباط الآيات التي تجعل من ذلك شيئاً ممكناً، فوجدوا آيات الشهادة وعلموهم المتفجرات للتعويض عن ضعفهم إذ لم يعد عشرة صابرون بقادرين على الانتصار على ألف من المشركين " الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن فيكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين"
-2-
يقول الدكتور: " على العرب أن يعترفوا الآن بأنهم غير مسلمين، وأنهم أبرياء من الإسلام، والإسلام بريء منهم براءة الذئب من دم ابن يعقوب، حماية وصيانة لشرف الاسلام، ولكي يفوّتوا على الغرب اتهام "الإسلام العربي" بالارهاب، ولكي تبقى الحقيقة ساطعة وهي أن العرب - بعيداً عن الإسلام - هم الارهابيون، وليس الإسلام ورسالته الإنسانية التي لم تعرف الارهاب.
فالمسلمون من غير العرب ليسوا ارهابيين. فالاتراك ليسوا ارهابيين، وكذلك الباكستانيون، والإندونيسيون، والماليزيون، والبنجلادشيون، وكافة مسلمي العالم. وما جرى في تركيا والباكستان وإندونيسيا ليس من فعل المسلمين الآسيويين ولكنه من فعل العرب المسلمين وبأموالهم وبتخطيطهم. فتركيا وشعوب آسيا المسلمة لم تعرف الارهاب قبل ظهور جماعة الإخوان المسلمين، وجناحها العريض والطويل: "القاعدة"، وقبل انتشار العُربان الأفغان في العالم. " وما أبعد مقولة الدكتور عن الحقيقة. فالإرهاب والأديان السماوية صنوان.
حتى المسيحية التي لم تعرف العنف والإرهاب في نشر رسالتها في القرون الأولى، سخّر قساوستها بعض الآيات الإنجيلية مثل " لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لِأُلْقِيَ سَلاَماً عَلَى الأَرْضِ. مَا جِئْتُ لِأُلْقِيَ سَلاَماً بَلْ سَيْفاً " (سفر متى، الإصحاح 10، الآية 34 ) اتخذوا من هذه الآية ذريعة لشن الحروب الصليبية لإجبار الآخر على اعتناق المسيحية ولاسترجاع الأراضي المقدسة من المسلمين.
فالعرب لو كانوا غير مسلمين ربما لجأوا وربما لم يلجؤوا إلى الإرهاب، الذي لم يكن معروفاً لديهم قبل ظهور الإسلام. فالإرهاب أصبح كالعدوى التي تنتقل من شخص إلى آخر. فأول ظهور الإرهاب الحديث كان في الستينات، عندما كان الشباب مبهوراً بالأفكار الاشتراكية وأراد بعضهم تغيير نُظم الحكم في بلادهم، ابتداءً بألمانيا التي شهدت ظهور عصابات ماينهوف المتطرفة التي لجأت إلى الاغتيالات والتفجيرات. ثم تبعتها منظمات الألوية الحمراء في اليابان التي عانت من اغتيالاتهم وتفجيراتهم، وأخيراً نقوا بضاعتهم الكاسدة إلى مطار" اللد " في إسرائيل وحاولوا تفجير المطار تعاطفاً مع الفلسطينيين الذين كانوا قد بدؤوا اختطاف الطائرات والتهديد بتفجيرها بما تحمل من ركاب أبرياء، رغم أنهم إسرائيليون، وقد يكون في إسرائيل أبرياء متعاطفون مع قضية الشعب الفلسطيني. فقول الدكتور إن المسلمين غير العرب ليسوا إرهابيين لا يمكن الموافقة عليه إذ رأينا كيف فجّر الإسلاميون الأتراك الكنائس والسفارات ومعابد اليهود في إسطنبول، حتى بعد أن هرب الإرهابيون العرب بعد التفجيرات الأولى. وكيف فجّر المهندس الماليزي أزهري حسين وزميله نور الدين توب السفارة الأسترالية في جاكارتا، وكذلك فندق ماريوت الذي مات فيه اثنا عشر شخصاً وجُرح العشرات. وهما متهمان بتفجيرات الأندية الليلية في جزيرة بالي عام 2002 حين مات أكثر من مائتي شاب وشابة أغلبهم من أستراليا. وما زالت السلطات الإندونيسية تطارد عالم الدين أبو بكر باعشير قائد الجماعة الإسلامية الإندونيسية لاتهامهم إياه بالوقوف وراء هذه الأعمال الإرهابية.
وفي الفلبين تطارد السلطات جماعة " أبو سيّاف " التي اتقنت فن اختطاف المصطافين الأجانب لتتقاضى الفدية من حكوماتهم وقد شجعهم القذافي، بطريقة غير مباشرة، بدفعه تعويضاً لهم لإطلاق سراح المخطوفين الأجانب.
وفي تيمور الشرقية فجرت الجماعات الإسلامية الإندونيسية الكنائس وقتلت واغتصبت المسيحيين.
وفي الهند أشعل المسلمون النار في قطار ليلي كان يحمل الحجاج السيخ الراجعين من مدينة أرمستار المقدسة بعد أداء شعائرهم الدينية، فقتلوا جميع من كان بالقطار، مما أدى إلى انتقام السيخ فحرقوا مساجد المسلمين.
وفي كاشمير يزرع المسلمون القنابل في الجانب الهندي ويهجمون على القرى الصغيرة فيقتلون جميع من بها.
وماذا عن الأمريكي الذي أسلم فركب طائرة إلى أمريكا وكان يحمل في حذائه متفجرات حاول أن يفجر بها الطائرة، فسموه Shoe Bomber وماذا عن الأسترالي الأبيض الذي أسلم وذهب إلى أفغانستان وقابل بن لادن والظواهري ورجع إلى أستراليا مكلفاً تفجير السفارة الإسرائيلية بكانبرا؟ كل هؤلاء ليسوا عرباً ومع ذلك هم مسلمون ضالعون في الإرهاب.
وإذا نظرنا إلى الأديان غير السماوية مثل البوذية و والشنتية والهندوسية نجد أن التسامح واحتضان الغير منتشرٌ عندهم ولا نسمع بأي أعمال إرهابية عندهم إلا ما ندر، كما ذكرنا في اليابان في الستينات وحديثاً عندما حاولت مجموعة دينية قتل أكبر عدد من الناس في طوكيو بنشر غاز السارين في إحدى محطات المترو. والبلاد التي لا يدين أغلب سكانها بأي دين، مثل الصين وروسيا، لم تعرف إرهاب المدن إلا عندما بدأ مسلمو الشيشان بتفجير البنايات وتفخيخ السيارات. ولا شك أن الشيشان شعب مقهور مثله مثل الفلسطينيين، ولكن التفجيرات والإرهاب لن يكونا الحل لقضايا سياسية. وفي اعتقادي أن الأديان السماوية، خاصة اليهودية والإسلام، هي السبب الرئيسي لانتشار الإرهاب والعنف في العالم. ويصعب على الإنسان أحياناً تصور كمية الحقد والكراهية التي تزرعها الأديان السماوية في أتباعها. فإذا أخذنا مثلاً وصية رب موسى له في سفر التثنية، الإصحاح 13: " فَضَرْباً تَضْرِبُ سُكَّانَ تِلكَ المَدِينَةِ بِحَدِّ السَّيْفِ وَتُحَرِّمُهَا بِكُلِّ مَا فِيهَا مَعَ بَهَائِمِهَا بِحَدِّ السَّيْفِ {15).
تَجْمَعُ كُل أَمْتِعَتِهَا إِلى وَسَطِ سَاحَتِهَا وَتُحْرِقُ بِالنَّارِ المَدِينَةَ وَكُل أَمْتِعَتِهَا كَامِلةً لِلرَّبِّ إِلهِكَ فَتَكُونُ تَلاًّ إِلى الأَبَدِ لا تُبْنَى بَعْدُ {16}. وَلا يَلتَصِقْ بِيَدِكَ شَيْءٌ مِنَ المُحَرَّمِ لِيَرْجِعَ الرَّبُّ مِنْ حُمُوِّ غَضَبِهِ وَيُعْطِيَكَ رَحْمَةً {17}
" نجد أن الرب لا يهدأ غضبة بقتل غير المؤمنين وقتل أطفالهم وبهائمهم، بل لا بد من حرق أمتعتهم ومدينتهم حتى لا تقوم لها قائمة أبداً.
ويصعب على الإنسان تخيّل كراهية للآخر أكثر من هذا. وكل هذا الحرق والدمار جاء لأن الآخر لا يعتنق نفس العقيدة. ولا أرى داعياً أن يعتذر العرب لتبييض وجه الإسلام في الغرب، فالغرب يعرف تعاليم الإسلام واليهودية جيداً، وأول من انتقد الإسلام كانوا رجالاً غربيين مثل نولدكة ومنتجمري واط وغيرهم.